أحمد بن أعثم الكوفي
507
الفتوح
وجهت إليك بجرير بن عبد الله البجلي ، وهو من أهل الايمان والهجرة ، وأحب الأشياء إلي فيك العافية إلا أن تتعرض للبلاء ، فإن تعرضت قابلتك واستعنت الله عليك ولا قوة إلا بالله العلي العظيم - والسلام - . قال : ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى جرير ، فلما أراد جرير أن يرحل إلى معاوية أقبل مسكين بن حنظلة وهو رجل من الصالحين إلى جرير [ وقال ] ( 1 ) إن بيني وبين معاوية مودة وإخاء قديما فاحمل إليه كتابي هذا وانظر ما يرد عليك . قال : فأخذ جرير كتاب علي وكتاب مسكين بن حنظلة ، وسار بالكتابين حتى صار إلى الشام ، ودخل على معاوية فسلم ، فرد عليه معاوية السلام وقربه وأدناه ، ثم قال : هات ما عندك يا جرير ! فقال جرير : والله ! إنه قد اجتمع لابن عمك علي بن أبي طالب أهل الحرمين : مكة والمدينة ، وأهل العراقين : البصرة والكوفة ، وأهل الحجاز وأهل اليمن ، فلم يبق في يديك إلا هذه الحصون التي أنت عليها ، ولو سال عليها سيل من أوديته لغرقها وقد أقبلت إليك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى اتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على أنه يعطيك أرضك التي أنت عليها ، فتعمل فيها بكتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله من الحق والسنن ، فتكون كذلك أبدا ما دام على حيا ، فإن مات وأنت حي رأيت رأيك بعد ذلك ، وأما أمر عثمان بن عفان فأنت تعلم يا معاوية أنه قد أعيى من شهده فكيف من غاب عنه ! وهذا كتاب علي رضي الله عنه إليك . قال : فأخذ معاوية الكتاب فقرأه حتى أتى على آخره ، ثم أقبل على جرير فقال : أبا عمر ! انظر في ذلك وتنتظر أنت أيضا واستطلع رأي أهل الشام . قال : فأخرج جرير كتاب مسكين بن حنظلة فدفعه إليه ، فإذا فيه أبيات من الشعر مطلعها : معاوي بايع قد أتاك جرير * وما لجرير بالعراق نظير إلى آخرها . قال : فلما قرأ معاوية هذا الكتاب غضب لذلك ، ثم أقبل على أصحابه فقال :
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .